السيد محمد حسين فضل الله
57
من وحي القرآن
يجعلنا نلاحظ أن هذا التشريع يمثل أسلوبا تربويا يوحي للإنسان بأن كل حركة في حياته لا بد أن تأخذ شرعيتها من إذن اللّه بها ورعايته ، مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، لتكون مسيرته كلها من خلال اللّه ، بحيث تنطلق البداية منه ، وتصل النهاية إليه ، في رحلة العمر التي تستمد كل قوتها الحركية من قوّته ورحمته ، خلافا للذين يعبدون الأوثان ، ويتقربون إليها بقرابينهم ، ويذكرون اسمها عليها ، فيشركون باللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، نتيجة التخلف الفكري والروحي الذي لا يرتكز على قاعدة معقولة من علم وفكر . . الانتفاع بذبائح الحجّ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وهي رخصة شرعية بأكلها تدفع احتمال التحريم الذي قد يتوهمه البعض ، على أساس أن القربان لا بد من أن تأكله النار ، ولا يجوز للإنسان أن يأكل منه ، لأنه للّه ، وما يكون للّه لا يجوز أن يأكله الإنسان . ولكن اللّه أراد أن يبيّن أن القربان يمثل معنى داخل الإنسان عند تقديم الأضحية باسمه . . وتنتهي المسألة عند هذا الحد ، وبعد ذلك تأتي قضية الانتفاع بالأضحية حتى لا تذهب طعمة للنار ، أو للتراب ، فللإنسان أن يأكل منها ، هدية من اللّه له ، وأن يعطي الفقراء القسم الآخر وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ لتكون جزءا من التشريع المتكامل الذي يفتح للفقير الأبواب التي تسد فاقته ، وتقضي حاجته ، وتسكت جوعه . . ومن خلال ما تقدمه الآية ، نستوحي ما ينبغي للمسلمين فعله بالذبائح التي يمتثلون بذبحها واجب تقديم الأضحية يوم النحر ، فلا يلقونها في التراب دون فائدة ، مما يعطي للآخرين انطباعا سلبيا عن التشريع الإسلامي الذي قد يتحول ، من خلال ممارسة كهذه ، إلى عمل عبثي ، تدفن معه ثروة حيوانية